الديباجة:
لا شكّ أن التجسيرَ بين التربية الدامجة والتكنولوجيات الذكية، ومحاولةَ خلق فرصٍ لتوظيف التكنولوجيا واستثمارها في خدمة التربية الدامجة، يُعدّان من أبرز الرهانات والتحديات الكبرى التي تواجه المنظومات التربوية على المستويين العلمي والمعرفي، والمجتمعي والعملي. فمن جهة، يُعتبَر مفهومُ التربية الدامجة، كما اعتمدته وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، مشروعًا مجتمعيًا يدخل ضمن مخططات التنمية البشرية، ويُشكّل رافعةً من رافعات إرساء مبادئ حقوق الإنسان، وتنزيلًا للمقتضيات التي نصّ عليها دستور 2011. وقد سعت الوزارة من خلال هذا المشروع إلى توفير الشروط الملائمة لإقرار مبدأ تكافؤ الفرص بين المتعلمين والمتعلمات، وتمكين جميع الفئات، بمن فيهم الأطفال في وضعية إعاقة، من الاندماج في المؤسسات التعليمية وفي الحياة الاجتماعية والاقتصادية، على اعتبار أن المدرسة هي نواة التنشئة الاجتماعية.
ومنذ صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 2000، تم التأكيد على ضرورة دمج الأطفال في وضعية إعاقة في المدرسة المغربية إلى جانب زملائهم المتعلمين الأسوياء. وسارت الرؤية الاستراتيجية 2015–2030 على النهج نفسه، إذ نصّت في رافعتها الرابعة على تأمين الحق في ولوج التربية والتكوين للأشخاص في وضعية إعاقة أو في وضعيات خاصة. كما أكّد القانون الإطار رقم 51.17 في مادته الخامسة والعشرين على أن الدولة تعمل على تعبئة جميع الوسائل المتاحة واتخاذ التدابير اللازمة لتيسير اندماج الأشخاص في وضعية خاصة في منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وتمكينهم من حق التعلم واكتساب المهارات.
وقد تجسّد هذا الاهتمام الوطني بهذه الفئة على مدى العقدين الأخيرين من خلال الجهود والمبادرات التي بذلتها الوزارات الوصية لمحاربة الهدر والانقطاع الدراسي. ويبرز هذا الاهتمام في الإطار المرجعي للتربية الدامجة ودليل المدرس الدامج الصادرين سنة 2019، وكذا من خلال القرار الوزاري رقم 047.19 الصادر في 24 يونيو 2019، والمذكرات التنظيمية التي تخص دمج هذه الفئة أو تكييف المراقبة المستمرة، من أبرزها المذكرة الوزارية رقم 134.19 بتاريخ 6 دجنبر 2019 بشأن مشروع اتفاقية الشراكة مع جمعيات المجتمع المدني في إطار تنزيل البرنامج الوطني للتربية الدامجة لفائدة التلميذات والتلاميذ في وضعية إعاقة، ثم المذكرة رقم 042.21 بتاريخ 3 ماي 2021 حول تكييف المراقبة المستمرة والامتحانات الوطنية والإشهادية.
وبذلك، فإن الدولة المغربية ماضية في إنهاء جميع أشكال التمييز بين مختلف فئات المجتمع، سعيًا إلى تعزيز التماسك الاجتماعي. وهي بذلك تسعى إلى تحقيق الإنصاف في التعلم ومراعاة احتياجات جميع المتعلمات والمتعلمين، بمن فيهم الأشخاص في وضعية إعاقة، لتمكينهم من الاستفادة من تعليم ذي جودة يلائم وضعياتهم ويوفّر لهم اندماجًا مريحًا في الفصول الدراسية.
ومن جهة أخرى، فإن إدماج التكنولوجيا في المنظومة التربوية يُعدّ كذلك أحد الرهانات الكبرى التي تعمل عليها الوزارات المعنية بالشأن التربوي، باعتباره سبيلًا لإعداد مواطن قادر على الاندماج في مجتمع متغير يواكب التطورات التكنولوجية المتسارعة التي يعرفها العالم والمغرب على السواء.
فقد شهد العالم في العقود الأخيرة ثورة تكنولوجية كبرى أطلق عليها الخبراء «الثورة الصناعية الرابعة» أو «العصر الثاني للآلة»، شملت جميع مجالات الحياة، بما في ذلك المجال التربوي، الذي شهد تحولات عميقة على مستوى الممارسات التعليمية، بفعل التطورات السريعة والمتلاحقة للتكنولوجيات الرقمية، وآخرها تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تضم العديد من التطبيقات القادرة على محاكاة الذكاء الإنساني أو تجاوزه أحيانًا.
وفي ظل هذا الواقع الجديد، أصبح من اللازم على النظام التعليمي المغربي بوجه عام، والتعليم العالي بوجه خاص، أن يُطوّر نسخته الحديثة ليتماشى مع هذه الثورة الرقمية، ويحقق القفزة النوعية المرجوة بما يستجيب لمتطلبات طلبة القرن الحادي والعشرين. وقد نبهت إلى ذلك الرسالة السامية لجلالة الملك محمد السادس الموجّهة إلى المشاركين في الاستراتيجية الوطنية لإدماج المغرب في مجتمع الإعلام والمعرفة (فاس، 23 أبريل 2001)، والتي جاء فيها:
"وحرصًا منا على إعداد الأجيال الصاعدة لتكون قادرة على التحكم في هذه التكنولوجيات الحديثة واستيعاب ما ينجم عنها من تغيير في أساليب العمل وأنماط العيش والثقافة، فقد جعلنا من التكوين في مجال تكنولوجيات الاتصال والإعلام إحدى الوسائل الأساسية والأهداف المركزية التي يتضمنها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، متطلعين لأن يكون في كل مؤسسة تعليمية، من المدرسة إلى الجامعة، مركزٌ متعدد الوسائط في أقرب الآجال، كما ينبغي إنشاء مراكز الموارد لإنتاج المواد والمحتويات التربوية المتفاعلة، وجعلها رهن إشارة كافة المتعلمين والمتلقين، اقتناعًا منا بأن تكنولوجيات الإعلام تشكل رافدًا قويًا من روافد التعليم الذاتي والتحصيل والتثقيف..."
وتماشياً مع هذا التوجه الملكي، عملت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار مؤخرًا على إطلاق عدد من المشاريع الرامية إلى تمكين الطلبة من اكتساب مهارات رقمية موازية لتخصصاتهم، من أبرزها:
المخطط الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي “PACTE ESRI 2030”، الهادف إلى توفير تعليم جامعي ذي جودة عالية.
إحداث أول مركز دولي للذكاء الاصطناعي في إفريقيا بالرباط (AI Movement).
الانطلاقة الرسمية لمشروع “Code212” بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة.
إحداث بيت الذكاء الاصطناعي بوجدة في إطار شراكة مع معهد أوروبي متخصص.
إحداث المدرسة الوطنية للذكاء الاصطناعي والرقمنة ببركان.
من الواضح أن الدولة المغربية، من خلال منظومتها التربوية والأكاديمية، تبذل جهودًا معتبرة لمواكبة هذا التحول الرقمي ومحاولة اللحاق بالركب العالمي. ومن ثمّ، يجوز لنا الجزم بأن المغرب عازم كل العزم على المضي قدمًا نحو بناء مجتمع رقمي دامج. غير أنه لا يمكن إنكار أن تنزيل هذا الورش الوطني الواعد لا يزال في بداياته.
وإذا كانت الجامعة تُعدّ أحد الفاعلين الرئيسيين القادرين على الإسهام في إنجاز هذه النقلة النوعية من خلال دورها في بناء تراكم معرفي يروم، من جهة، تعميق الوعي والفهم، ومن جهة أخرى، إنتاج أدوات ومقاربات عملية تمكّن صناع القرار من إعداد وتنزيل سياسات عمومية تستجيب لمتطلبات المرحلة وحجم التحديات والرهانات المستقبلية، فإن نجاحه رهين بتضافر جهود كل الفاعلين والشركاء الاجتماعيين والتربويين (مؤسسات التنشئة الاجتماعية من أسرة وإعلام وفضاء عام، الجمعيات والمجتمع المدني، رجالات القانون ومهندسو السياسات العمومية، الفضاءات الرقمية...).
الأهـداف:
يهدف هذا الملتقى الوطني إذن إلى:
تعميق النقاش العلمي حول العلاقة التكاملية بين التربية الدامجة والتكنولوجيات الذكية، واستجلاء أبعادها البيداغوجية والمعرفية والاجتماعية.
تحليل واقع إدماج التكنولوجيات الذكية في المنظومة التربوية المغربية، والوقوف على حدودها وإمكاناتها في دعم التربية الدامجة وتحقيق الإنصاف التربوي.
تثمين التجارب والممارسات الميدانية الوطنية والدولية في توظيف التكنولوجيات الذكية والتقنيات الرقمية لخدمة المتعلمين في وضعيات خاصة.
استكشاف الأدوات والتطبيقات الذكية القادرة على المساهمة في تشخيص الحاجات التعليمية وتكييف التعلمات بما يضمن الاندماج الفعلي لجميع المتعلمين.
تعزيز التكامل بين الفاعلين والمؤسسات التربوية، من أجل بناء سياسات عمومية دامجة قائمة على الابتكار الرقمي والحكامة التربوية الرشيدة.
المحاور:
المحور الأول: الإطار المفاهيمي والنظري للتربية الدامجة في زمن التكنولوجيات الذكية
• تطور مفهوم التربية الدامجة: من الدمج الاجتماعي إلى الدمج الرقمي
• التكنولوجيات الذكية والتحول التربوي: نحو نموذج تربوي أكثر إنصافًا
• المقاربات النفسية والبيداغوجية المفسّرة للدمج في بيئة رقمية
• المدرسة الدامجة في ظل الثورة الرقمية الرابعة: رؤى جديدة للتعليم المنصف.
المحور الثاني: التكنولوجيات الذكية في خدمة التربية الدامجة
• أدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي الموجهة لدعم المتعلمين في وضعية إعاقة
• الموارد الرقمية التفاعلية وتطبيقات التعليم المكيف
• الذكاء الاصطناعي كمساعد بيداغوجي في تشخيص الصعوبات التعليمية
• توظيف البيانات الضخمة في تتبع التعلمات ودعم الدمج التربوي
• التقويم بالتكنولوجيات الذكية.
المحور الثالث: تكوين الأطر والفاعلين التربويين في ضوء التحول الرقمي الدامج
• الكفاءات الرقمية والبيداغوجية للأطر التربوية كرافعة لتفعيل المدرسة الدامجة
• التكوين الأساس والمستمر في مجال التربية الدامجة الرقمية
• إدماج مبادئ التربية الدامجة والذكاء الاصطناعي في برامج تكوين الأساتذة
• المجتمعات المهنية للتعلم كآلية لتقاسم الممارسات الدامجة والابتكارات الرقمية.
المحور الرابع: السياسات العمومية والحكامة التربوية للتحول الرقمي الدامج
• الأطر القانونية والمؤسساتية المنظمة للتربية الدامجة الرقمية
• أدوار الفاعلين التربويين والمؤسسات الإدارية في تنفيذ السياسات الدامجة
• أدوار الجمعيات والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني
• الشراكات بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص في دعم مشاريع الدمج الرقمي
• الحكامة التربوية كمدخل لتكافؤ الفرص في العصر الرقمي.
المحور الخامس: آفاق ورهانات مستقبلية
• التحديات الأخلاقية والمجتمعية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التربية
• الرهانات المستقبلية للمدرسة المغربية في مجال الدمج الرقمي
• من المدرسة الدامجة إلى المجتمع الدامج: نحو عدالة رقمية شاملة
• بناء سياسات وطنية مستدامة للتربية الدامجة في عصر التكنولوجيات الذكية.
شـروط المشاركة:
• أن يتصل موضوع المداخلة بأحد محاور الملتقى.
• أن يرسل المشارك ملخصًا لا يتجاوز 300 كلمة، مع الكلمات المفتاحية (3 إلى 5).
• أن يتضمن الملخص اسم المشارك(ين)، الصفة الجامعية، المؤسسة، والبريد الإلكتروني.
• أن تكون لغة المداخلة بالعربية أو الفرنسية أو الإنجليزية.